غانم قدوري الحمد
302
الدراسات الصوتية عند علماء التجويد
وينبغي أن يؤخذ بالحسبان عند محاولة قياس زمن نطق الأصوات أن هناك عدة أشكال من النطق ، مثل النطق المتأني الذي يأخذ وقتا أطول من النطق السريع . وهناك نطق وسط بين البطيء والسريع ، وقد لاحظ هذه الظاهرة عبد الوهاب القرطبي حيث قال : « ولا يدخل على ما أصّلناه إشباع من أشبع الحركات والسكنات من أئمة القراءة زيادة على غيره في الإشباع ، لأن من أشبع الحركات منهم أشبع الحروف التي أخذت منها أيضا ، فتصير نسبة الحركة المشبعة عنده إلى الحروف المشبعة كنسبة الحركات إلى الحروف بغير إشباع عند غيره » « 1 » . وكان قد جاء في بعض النصوص التي نقلناها في هذا المبحث أن متقدمي النحويين كانوا يسمون الفتحة الألف الصغيرة والضمة الواو الصغيرة والكسرة الياء الصغيرة « 2 » . وهناك رواية نقلها بعض علماء التجويد لها صلة بالنص السابق ، فقد روى أبو العلاء الهمذاني العطار بإسناد كامل ينتهي إلى عبد اللّه ابن الصحابي بريدة بن الحصيب الأسلمي « 3 » - رضي اللّه عنه - رواية جاء فيها : عن عبد اللّه بن بريدة عن أبيه قال : كانوا يؤمرون ، أو كنّا نؤمر أن نتعلم القرآن ، ثم السّنّة ، ثم الفرائض ، ثم العربية : الحروف الثلاثة . قلنا : وما الحروف الثلاثة ؟ قال : الجرّ والرفع والنصب » « 4 » . فهذه الرواية تشير إلى أنهم كانوا يسمون الحركات حروفا ، وهي من النصوص النادرة التي تتعلق بنشأة النحو العربي فهي ترجع إلى زمن أقدم من العصر الذي ظهر فيه نشاط أبي الأسود الدؤلي النحوي « 5 » . ثانيا : الواو والياء بين الأصوات الجامدة والأصوات الذائبة : يشترط علماء العربية وعلماء التجويد أن يكون قبل الواو والياء حركة من جنسهما وأن يكونا ساكنين لكي يعدا من حروف المد ، مثل الألف . وإذا تخلف هذا الشرط عنهما بأن تحركتا أو لم تكن حركة ما قبلهما من جنسهما لم يكونا حرفي مد ولحقا بالحروف الجامدة ( أو الصحاح ) . وهذا التفريق بين حالتي الواو والياء ينبني على أسس صوتية وصرفية معا . ونجد أصول هذا التفريق عند سيبويه ، فهو يقول عن الياء « لما تحركت خرجت من أن
--> ( 1 ) الموضح 183 ظ . ( 2 ) انظر : ابن جني : سر صناعة الإعراب 1 / 19 ، وعبد الوهاب القرطبي الموضح 150 ظ . ( 3 ) انظر ترجمته : ابن عبد البر : الاستيعاب 1 / 185 . ( 4 ) التمهيد 103 و - 103 ظ . ( 5 ) هناك نصوص أخرى تتعلق بنشأة النحو العربي أوردها أبو العلاء الهمذاني العطار في كتابه ( التمهيد في التجويد ) في المكان المشار إليه نفسه .